الشيخ محمد الصادقي الطهراني

205

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

العرف والشرع حقاً كالأكل بالهبة والهدية والصدقة والنفقة أماهيه من الممضَيات شرعاً مهما لم تكن ممضيات عند العرف أو كانت ، فليست الآية - إذاً - منسوخة ولا مخصَّصة في حل الأكل بغير تجارة عن تراض إذا لم يكن أكلًا بالباطل . فمحظور الأكل بالباطل - وهو التصرف الباطل - ضابطة ثابتة تحلق على كافة التصرفات الباطلة في الأموال ، أموالكم وأموال الأخرين والأموال العامة ، تبذيراً وإسرافاً مصرفياً في أموالكم ، وأي تصرف في أموال الناس دون مبرر عقلي وشرعي ، وكما يحضر عن كل التصرفات الباطلة في الأموال العامة المشتركة . ولا يصغى إلى قيلة القائل لتبرير اتصال الاستثناء : أن تجارة عن تراض هي ايضاً من الأكل بالباطل ، فإن غالب مصاديقها لا تخلو عن أكل بباطل ، ولكن اللَّه أحل التجارة عن تراض لضرورة الإعاشة وأن باطل الأكل بالتجارة أخف وطئة من غيرها ! . ذلك لأن الأكل بالباطل مرفوض على أية حال بسند الباطل ، والضرورات التي تبيح المحظورات ، تحلل الباطل على قدرها ، دون تحليل طليق للباطل في تجارة عن تراض ، فهذا القول هو أبطل من أكل المال بالباطل ! . ثم « لا تأكلوا » : لا تتصرفوا « أموالكم » في زواياها الثلاث « بينكم » : أكلًا بينكم والأموال الكائنة بينكم « بالباطل » سبباً ومعية وغاية ، فالتصرفات المالية بالأسباب الباطلة ، أو معية الباطل أو الغايات الباطلة ، كلها محرمة دونما استثناء . فالربا والسرقة والخيانة والبخس في المكيال أماذا من تصرفات باطلة هي محرمة قاحلة « إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم » نموذجاً بارزاً للأكل بالحق يلقي ضوءً عاماً شاملًا على التصرفات الحقة أنها هي التي تكون بسعي الحق وحق السعي ، وبتراض بين المتعاملين ، وهو بطبيعة الحال تراض مرضي عند اللَّه ، فقد يرضى اللَّه وأنت لا ترضى وقد ترضى ولا يرضى اللَّه ، والمحور الأصيل في حقل التراضي هو أن يرضى اللَّه ، فلنفتش عن أسباب رضاه في أكل الأموال بيننا من أدلة الكتاب والسنة . ف « تراضٍ » منكم تعني التراضي على ضوء الإيمان حيث الخطاب موجه إلى المؤمنين ، فالتراضي الذي لا يرضاه الإيمان ليس مرضياً في خطاب الإيمان . ولأن المؤمن عاقل قبل إيمان ، فلا بد أن يكون تراضياً عاقلًا ، فالتراضي الذي يرفضه العقل أو يرفضه الإيمان ليس داخلًا في نطاق « عن تراض منكم » إنما هي الذي يرضاه العقل